السيد حيدر الآملي

352

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وذلك لئلَّا يقع فعله مهملا وعبثا لأنّ ( كلّ شيء ) يكون بغير غرض صحيح يكون عبثا ، والعبث عليه ( منه ) تعالى محال ولهذا قال : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ سورة المؤمنون : 115 ] . وقال : ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ [ سورة الأنبياء : 16 ] . فحينئذ يجب أن يكون فعله لغرض صحيح حتى لا يقع منه العبث والإهمال ولكن لا يجوز أن يكون ذلك الغرض عائدا إلى ذاته المقدّسة بحيث يكون كماله منه بل إلى عبيده الَّذين خلقهم لأجل ذلك الغرض كما سبق ذكره لأنّه لو كان عائدا إليه للزم النقص والاحتياج لاقتضاء الاستكمال بالغير الَّذي هو من لوازم الممكن لا الواجب ، وهذا غير جائز فلا يكون عائدا إليه أصلا ، فإذا لم يكن عائدا إليه فلا بدّ وأن يكون عائدا إلى عبيده ولا يلزم منه الفساد المذكور ، وأمّا فائدة العود إلى العبيد فهو أنّهم إذا عرفوه وقاموا بعبادته على ما ينبغي صعدوا من درجة النّقصان إلى درجة الكمال ومن درك الشّقاوة إلى درج السّعادة وحصل لهم الخلود في الجنّة والفوز بالوصول إلى لقاء ربّ العزّة ، وذاته المقدّسة جلّ جلاله منزّه عن أمثال ذلك بكماله الذّاتي واستغنائه الحقيقي ، لأنّه من حيث الذّات غنيّ عن إيجادهم وتكليفهم ، منزّه عن كونهم وإسلامهم ، كما أشار إليه في كتابه العزيز بقوله : وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّه َ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [ سورة إبراهيم : 8 ] . لأنّ من إيجادهم وتكليفهم ما زاد في كماله شيء ولا من إعدامهم وارتفاع تكليفهم ينقص عن ( من ) كماله شيء تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرا ، بل هو الآن على ما كان عليه في الأزل ، لقول النبيّ ( ص ) : « كان اللَّه ولم يكن معه شيء » ( 87 )

--> ( 87 ) قوله : لقول النبيّ ( ص ) : كان اللَّه ولم يكن معه شيء . روى الصدوق ( رض ) في التوحيد ص 145 ، الحديث 12 ، بإسناده عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر الباقر ( ع ) ، قال : سمعته يقول : كان اللَّه ولا شيء غيره ، ولم يزل عالما بما كوّن ، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كوّنه . وروى أيضا ص 66 الحديث 20 ، بإسناده عن جابر الجعفي ، قال : جاء رجل من علماء أهل الشام إلى أبي جعفر ( ع ) ، فقال : جئت أسألك عن مسألة لم أجد أحدا يفسّرها لي ، وقد سألت ثلاثة أصناف من النّاس ، فقال كلّ صنف غير ما قال الآخر ، فقال أبو جعفر ( ع ) : وما ذلك ؟ فقال : أسألك : ما أوّل ما خلق اللَّه عز وجلّ من خلقه ؟ فإنّ بعض من سألته قال : القدرة ، وقال بعضهم : العلم ، وقال بعضهم : الروح ، فقال أبو جعفر ( ع ) : ما قالوا شيئا ، أخبرك أنّ اللَّه علا ذكره ، كان ولا شيء غيره ، وكان عزيزا ولا عزّ لأنّه كان قبل عزّه ، وذلك قوله : * ( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) * [ سورة الصافات ، الآية : 180 ] وكان خالقا ولا مخلوق فأوّل شيء خلقه من خلقه الشيء الَّذى جميع الأشياء منه ، وهو الماء ، فقال السائل : فالشيء خلقه من شيء أو من لا شيء ؟ فقال : خلق الشيء لا من شيء كان قبله ، ولو خلق الشيء من شيء إذا لم يكن له انقطاع أبدا ، ولم يزل اللَّه إذا ومعه شيء ولكن كان اللَّه ولا شيء معه ، فخلق الشيء الَّذي جميع الأشياء منه ، وهو الماء . وأخرج البخاري في صحيحه ج 4 ، ص 128 ، باب ما جاء في قول اللَّه تعالى : * ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ُ ) * [ سورة الروم ، الآية : 27 ] ، من كتاب بدء الخلق الحديث 3 بإسناده عن عمران بن حصين عن النبيّ ( ص ) قال : كان اللَّه ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء الحديث . وأخرجه أيضا أحمد بن حنبل في مسنده ج 3 ، ص 431 .